تتصاعد في الآونة الأخيرة التحليلات السياسية والعسكرية حول مدى فاعلية التهديدات والمخططات المشتركة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لشن غارات جوية ضد إيران بهدف دفعها نحو الاستسلام أو التراجع عن مواقفها الاستراتيجية. وتشير القراءات التحليلية المعاصرة إلى أن هذا التوجه يحمل بذور فشله مسبقاً، حيث يرى خبراء ومراقبون أن الاعتماد على التفوق الجوي والضربات الصاروخية كأداة رئيسية لفرض الإملاءات السياسية وإخضاع العواصم لا يحقق النتائج المرجوة في كثير من الأحيان، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً تعزز من التماسك الداخلي للدول المستهدفة وتزيد من إصرارها على مواصلة نهجها الرافض للضغوط الخارجية.
وتستند هذه الرؤية إلى مخزون تاريخي غني يثبت عدم جدوى استراتيجيات الإخضاع عبر القصف الجوي المكثف؛ فمنذ الحرب العالمية الثانية وفشل الغارات الجوية الحليفة في كسر إرادة ألمانيا النازية بالكامل، وصولاً إلى حرب فيتنام التي شهدت إسقاط ملايين الأطنان من المتفجرات الأمريكية دون النجاح في إجبار الفيتناميين على الاستسلام، يظهر التاريخ بوضوح أن الدول ذات العقيدة السيادية الصلبة ترفض الانصياع تحت وطأة النيران. وفي الحالة الإيرانية، فإن البنية الدفاعية المعقدة، والعمق الجغرافي الشاسع، والاعتماد على قدرات ذاتية وشبكة تحالفات إقليمية واسعة، تجعل من أي حملة قصف أمريكية أو إسرائيلية مجرد أداة لإحداث خسائر مادية مؤقتة دون القدرة على تحقيق تغيير استراتيجي حقيقي في النظام السياسي أو التوجهات الفكرية للبلاد.
تأتي هذه النقاشات في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط توتراً غير مسبوق، وصراعاً محتدماً على النفوذ بين المحور الذي تقوده طهران من جهة، والتحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة أخرى. وتكمن أهمية هذه الرؤية التحليلية في إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية المتاحة للقوى الغربية، حيث يتزايد الإدراك الدولي بأن الحلول العسكرية القائمة على منطق القوة الصلبة قد استنفدت فاعليتها ولم تعد صالحة لإدارة الأزمات المعقدة في القرن الحادي والعشرين. وبناءً على ذلك، يُتوقع أن تدفع هذه المعطيات صانعي القرار في واشنطن وتل أبيب إلى مراجعة حساباتهم، والبحث عن مسارات بديلة تركز على الحلول السياسية والدبلوماسية الردعية، لتجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد تكون لها عواقب كارثية على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي.
المصدر: وكالات

