أتمت منظمة شنغهاي للتعاون عامها الخامس والعشرين، مكرسة نموذجا فريدا من العمل متعدد الأطراف الذي يرتكز على فكرة مأسسة التعايش دون اشتراط التطابق أو الاندماج الكامل بين الدول الأعضاء. وفي عالم تتزايد فيه حدة الاستقطاب الدولي، تبرز المنظمة كأداة حيوية للحوار الدبلوماسي بين دول تجمعها مصالح مشتركة وتفرقها أحيانا تباينات جوهرية في الرؤى السياسية والأمنية. هذا اليوبيل الفضي يضع المنظمة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على التوازن الإقليمي وتوفير منصة تواصل مستمرة بين القوى الكبرى والإقليمية في منطقة أوراسيا، مما يعزز دورها كمحور أساسي في بنية الأمن العالمي الجديد.
وتأتي هذه المحطة التاريخية في وقت يمر فيه النظام الدولي بحالة من عدم اليقين المتزايد، تتسم بانعدام الثقة الاستراتيجية بين الأطراف الفاعلة، والنزاعات الحدودية المتواصلة، فضلا عن تداخل التحالفات وتشابكها بشكل يعقد المشهد الدبلوماسي العام. وتؤكد المنظمة في هذا السياق على أن القدرة على التواصل والتحاور مع المنافسين والخصوم تظل أداة حاسمة لإدارة الأزمات ومنع تصاعد الصراعات المباشرة. فرغم وجود خلافات حدودية وسياسية معقدة بين بعض أعضائها البارزين، نجحت المنظمة في صياغة إطار مؤسسي يتيح للقادة الجلوس على طاولة واحدة ومناقشة القضايا الأمنية والاقتصادية الملحة، متجاوزين الخلافات الثنائية لصالح استقرار الإقليم بأكمله.
تأسست منظمة شنغهاي للتعاون في البداية بهدف مكافحة الإرهاب والانفصال والتطرف، لكنها تطورت على مدى ربع قرن لتصبح منصة جيوسياسية أوسع تشمل التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني ومواجهة الهيمنة الأحادية في النظام الدولي. وتكمن الأهمية المستقبلية للمنظمة في قدرتها على صياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب يعتمد على الواقعية السياسية والمصالح المشتركة بدلا من التحالفات العقائدية المغلقة. ومن المتوقع أن تسهم المنظمة في الفترة المقبلة في تعميق الروابط التجارية واللوجستية عبر ممرات النقل الأوراسية، مما يمنح أعضاءها وزنا جيو-اقتصاديا أكبر، ويؤهلها للعب دور محوري في تسوية النزاعات الإقليمية الناشئة وإرساء قواعد ثابتة للتعايش السلمي المستدام.
المصدر: وكالات

