أثارت التصريحات الأخيرة الصادرة عن الحاخام اليهودي الأرثوذكسي المتشدد، دوف لاندو، موجة عارمة من السجال السياسي والجدل الانتخابي داخل إسرائيل، ملقية بظلالها على المشهد السياسي المعقد أصلاً. وجاءت هذه المواقف المناهضة للصهيونية لتكشف مجدداً عن عمق الفجوة والانقسامات الداخلية، لا سيما فيما يتعلق بملف تجنيد اليهود المتشددين (الحريديم) في الجيش الإسرائيلي. وقد تسببت هذه التصريحات في إحراج كبير للتحالف الحكومي بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي يعتمد بشكل رئيسي على دعم الأحزاب الدينية المتشددة لضمان بقائه في السلطة، مما جعل القضية محوراً رئيسياً في التجاذبات الانتخابية الجارية.
وتفصيلاً، عبر الحاخام دوف لاندو، الذي يُعد واحداً من أبرز المرجعيات الروحية للتيار الليتواني الأرثوذكسي، عن مواقف حاسمة ترفض الانخراط في المنظومة الصهيونية وتدعو إلى النأي بالنفس عن مؤسسات الدولة التي لا تتوافق مع الشريعة اليهودية بحسب رؤيتهم. وركزت التصريحات بشكل خاص على قضية التجنيد الإجباري، حيث يرى قادة هذا التيار أن دراسة التوراة تمثل الدرع الحقيقي لحماية الشعب اليهودي، وأن أي محاولة لفرض التجنيد على طلاب المدارس الدينية تمثل تهديداً مباشراً لهويتهم وأسلوب حياتهم. وقد أدت هذه المواقف إلى زيادة حدة التوتر بين الأحزاب العلمانية التي تطالب بالمساواة في تحمل الأعباء العسكرية، والأحزاب الدينية المتشددة التي تلوح بالانسحاب من الحكومة في حال إقرار أي قانون يلزم شبابها بالخدمة العسكرية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية بالغة بالنظر إلى الخلفية التاريخية والسياسية المعقدة لهذا الصراع؛ إذ يمثل إعفاء اليهود المتشددين من الخدمة العسكرية قضية خلافية مزمنة في المجتمع الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة. ومع تزايد الضغوط الأمنية والاقتصادية، بات الشارع الإسرائيلي أكثر حساسية تجاه هذه الإعفاءات، وهو ما تجلى في القرارات الأخيرة للمحكمة العليا التي قضت بعدم قانونية الإعفاء الشامل وتجميد التمويل للمدارس الدينية التي لا يلتحق طلابها بالجيش. ومن المتوقع أن تؤدي هذه التصريحات إلى تعميق الاستقطاب السياسي في أي انتخابات مقبلة، حيث ستسعى قوى المعارضة العلمانية إلى توظيف هذا الملف لحشد الناخبين ضد تحالف نتنياهو، في حين قد تضطر الأحزاب الدينية إلى اتخاذ مواقف أكثر تطرفاً لحماية مكتسباتها، مما يهدد بانهيار الائتلاف الحاكم الحالي وإعادة تشكيل الخارطة الحزبية في البلاد.
المصدر: وكالات

