تسلط النقاشات المجتمعية الحديثة الضوء على ظاهرة تسلل بعض السلوكيات الخطيرة إلى الحياة اليومية وتطبيعها والتعامل معها وكأنها أمر أعتيادي ومقبول، وفي مقدمة هذه الظواهر يأتي استخدام الهواتف الذكية أثناء قيادة المركبات. وعلى الرغم من تحذيرات السلامة المرورية المستمرة والمخاطر المباشرة التي تحيط بهذا التصرف، يسود انطباع لدى قطاع واسع من السائقين بأن إلقاء نظرة خاطفة على الشاشة أو التصفح السريع لم يعد خطأً جسيماً، مما ينذر بتراجع معايير الأمان الشخصي والعام على الطرقات وتحول المخاطرة إلى سلوك يومي نفعي مجرد من المسؤولية.
وتشير الشهادات الميدانية والتقارير المرورية إلى تزايد رصد حالات الانحراف المفاجئ وعدم الثبات في الحارات المرورية نتيجة تشتت انتباه السائقين بالهواتف المحمولة، ولم تعد هذه الظاهرة قاصرة على السيارات الصغيرة بل امتدت لتشمل سائقي الشاحنات والمركبات الثقيلة. ويرى مراقبون أن انشغال السائق بمتابعة الرسائل النصية أو التطبيقات الرقمية أثناء تحرك المركبة يلغي قدرته على الاستجابة السريعة للمستجدات الفجائية على الطريق، حيث باتت مشاهد الترنح والانحراف يميناً ويساراً أمراً شائعاً على الطرق السريعة والفرعية، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لأرواح المشاة والسائقين الآخرين دون وجود أي مبرر منطقي لهذه السلوكيات.
تعكس هذه الظاهرة تحدياً مجتمعياً ونفسياً عميقاً يتعلق بكيفية تغيير المعايير الأخلاقية للسلامة العامة، حيث لم يعد التهديد ينحصر في حجم المخالفة القانونية فقط، بل في قبول المجتمع لهذه الممارسات واستصغار مخاطرها. ويتوقع متخصصون في السلامة الطرقية أن تتجه الجهات التنظيمية إلى فرض تشريعات أكثر صرامة واعتماد تقنيات رقابية حديثة للحد من هذا السلوك المترسخ، إلى جانب إطلاق حملات توعوية مكثفة تعيد ترتيب الأولويات وترسخ مفهوم أن الانشغال بالهاتف أثناء القيادة يُعد خطأً جسيماً لا يمكن التسامح معه أو اعتباره أمراً طبيعياً تحت أي ظرف.
المصدر: وكالات

